يناقش الكاتب يزيد صايغ في هذا التقرير طبيعة التحولات الهيكلية العميقة في الاقتصاد المصري، مبرزاً تفاصيل توسع القوات المسلحة في إدارة الشأن الاستثماري. إذ يرى بوضوح انتقال المؤسسة العسكرية نحو تبني نموذج "رأسمالية المالك"، وهو نمط يعتمد كلياً على استخراج الريع المالي عبر إدارة أصول الدولة، عوضاً عن الاستثمار في الإنتاج الحقيقي وتوليد السلع والخدمات.
بناءً على ذلك، يحذر التقرير من وصول آليات جني الأرباح الحالية إلى مرحلة التشبع، مما يؤدي إلى تناقص العوائد الاستثمارية بشكل ملحوظ، بالتزامن مع تفاقم الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي لتوفير السيولة النقدية.
وتؤكد مؤسسة كارنيجي في هذا السياق إسناد القيادة السياسية مساحات اقتصادية متزايدة لوكالات عسكرية مختارة، رغبةً في توليد إيرادات مستعجلة للخزانة العامة. نتيجة لذلك، تستفيد الهيئات التابعة لوزارة الدفاع من سيطرتها المطلقة على الأراضي والمرافق، لتفرض واقعاً مشوهاً يؤثر سلباً على تنافسية القطاع الخاص ومسار نموه.
تحتكر الكيانات العسكرية صلاحيات استثنائية تعفيها كلياً من الضرائب والرسوم، وتستحوذ كذلك على حصة الأسد من الائتمان المصرفي المتاح في البنوك الوطنية، مما يعمق معاناة الشركات المدنية التي تجد نفسها مجبرة على التكيف مع سوق تفتقر إلى المنافسة العادلة.
هيمنة المؤسسة العسكرية على قطاع العقارات الحضرية
يقود الجيش طفرة عمرانية هائلة تعتمد أساساً على القروض المصرفية المتراكمة، حيث يدير عمليات بناء المدن الصحراوية الجديدة وتطوير المجمعات السكنية الفاخرة. وتستحوذ الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وحدها على نسبة تتجاوز ثلث مشاريع البناء الممولة حكومياً.
من ناحية أخرى، تحتجز الوكالات العسكرية رسوماً إدارية غير معلنة من ميزانيات المشاريع القومية، بينما تلقي بأعباء تقلبات الأسعار وتكاليف استيراد المواد الخام على عاتق شركات المقاولات المدنية المنفذة للأعمال.
لكن المفارقة تكمن في تجاوز معدلات البناء حاجة السوق الفعلية بمراحل كبيرة، إذ تظل معظم الوحدات السكنية خالية تماماً من السكان؛ مما يعكس تحول العقارات إلى مجرد أوعية صماء لحفظ الثروات وتجميد رؤوس الأموال بدلاً من توظيفها في قطاعات إنتاجية.
كما تحكم هيئات الجيش قبضتها على مساحات جغرافية شاسعة عبر استصدار قرارات سيادية تصنفها كمناطق استراتيجية؛ مما يتيح لها حق الانتفاع الحصري والتجاري بشبكات الطرق، والشواطئ الساحلية، والجزر النيلية، مانعةً المدنيين من التملك الحر لهذه الأراضي الواسعة.
وفي المقابل، تدير الهيئات العسكرية مشاريع التهجير وإعادة تأهيل المناطق الحضرية القديمة، فتخلي أحياء شعبية كاملة لبناء أبراج استثمارية تدر عوائد مالية ضخمة. ويدفع هذا التوسع المفرط البنوك الحكومية لتحمل المخاطر المرتبطة بالقروض الممنوحة للمطورين العقاريين، مما يزيد من الالتزامات المحتملة على ميزانية الدولة وخزانتها العامة.
لذلك، تفرض هذه التوجهات ضغوطاً متزايدة على البنك المركزي المصري لتغيير سياساته النقدية. وتطالب المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، بضرورة وضع مسافة فاصلة بين البنك المركزي والبنوك العامة، سعياً لتقليل المخاطر النظامية التي تهدد القطاع المصرفي نتيجة التوسع غير المدروس في تمويل مشاريع المدن الجديدة المفتقرة لجدوى اقتصادية واضحة.
صعود وكالات الزراعة العملاقة واحتكار سلاسل الغذاء
تبرز هيئة "مستقبل مصر" التابعة للقوات الجوية كأحد أبرز أمثلة رأسمالية المالك العسكري في قطاع الزراعة الاستصلاحية؛ إذ تدير بمفردها نصف إجمالي الأراضي المزروعة في البلاد تقريباً، وتؤجر مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية المستصلحة للمستثمرين في القطاع الخاص والخليجي.
وفي الوقت ذاته، تحتكر الهيئة بشكل مباشر عمليات استيراد القمح الاستراتيجي وتصدير الأرز للخارج، متوسعةً بقوة للسيطرة على سلاسل التوريد، وتجارة المواد الغذائية، ومنافذ البيع بالتجزئة، وتوزيع السلع التموينية المدعمة. وتتلقى هذه المشروعات دعماً رئاسياً مباشراً يمنحها حصانة كاملة خارج نطاق الرقابة المدنية أو الالتزامات الضريبية.
الشفافية المؤسسية تغيب كلياً عن البيانات المالية والبيئية لهذه المشروعات الزراعية العملاقة، وتتضارب التصريحات الرسمية بشدة حول التكاليف الحقيقية لعمليات استصلاح الأراضي وإنشاء الأنهار الصناعية.
فضلاً عن ذلك، تستهلك هذه المشاريع الضخمة كميات هائلة من الموارد المائية ومصادر الطاقة، متجاهلةً دراسة التأثيرات البيئية طويلة المدى على الخزان الجوفي غير المتجدد. ونتيجة لهذه السياسات الاحتكارية، يندفع صغار المزارعين والصيادين والمنتجين المحليين خارج دائرة السوق تماماً، مما يعمق معاناتهم الاقتصادية في ظل الارتفاع الحاد لتكاليف المعيشة.
آفاق الاقتصاد العسكري وتحديات الاستدامة المستقبلية
تواصل مئات الشركات العسكرية المسجلة رسمياً العمل في قطاعات موازية متنوعة مثل الصناعات التحويلية، والتجارة، وعمليات التعدين، وقطاعات الخدمات والفندقة. ومع ذلك، تعمل هذه الشركات كأدوات سياسية لتعزيز الولاء وتدوير النخب داخل صفوف القوات المسلحة، ولا تسهم بشكل حقيقي في تعزيز الإنتاجية العامة أو تحفيز الابتكار التكنولوجي.
بناءً على ذلك، تعتمد هذه الكيانات أساساً على توظيف المزايا الاحتكارية لضمان البقاء في السوق، وتعجز في الوقت نفسه عن المنافسة المفتوحة أو التصدير للأسواق الخارجية. ورغم الوعود الرسمية المتكررة بطرح حصص من هذه الشركات في البورصة، إلا أن المساعي تصطدم دائماً بغياب الشفافية المالية وعزوف المستثمرين.
من هنا، يواجه نموذج الاقتصاد العسكري المعتمد على استغلال الأصول وتدويرها تناقصاً حتمياً في معدلات العوائد؛ نظراً لافتقار المؤسسات العسكرية إلى القدرة الفنية اللازمة لتكرار نجاحاتها في قطاعات إنتاجية تتطلب ابتكاراً متقدماً.
تظل استدامة هذا النظام الريعي مرهونة بتدفق مستمر لرؤوس الأموال الخارجية وحزم الإنقاذ المالي. وهنا تظهر الفجوة الهيكلية؛ حيث تتحمل الحكومة المدنية وحدها أعباء سداد هذه القروض وإدارة ملف الديون، بينما تستحوذ وكالات الجيش على الأرباح المباشرة والإيرادات التشغيلية، مما يترك الاقتصاد القومي عرضة لصدمات جيوسياسية متتالية يعيق محاولات الاستقرار.
ويؤكد الباحث عمرو عدلي في تحليله لظاهرة الرأسمالية المشوهة في مصر، أن التدفقات المالية الضخمة لم تترجم إلى رفع معدلات الادخار والاستثمار الحقيقي، مفسراً ذلك بطبيعة الترتيبات المؤسسية والسياسية التي تفضل السيطرة الصارمة ومراكمة الثروات السريعة على حساب بناء اقتصاد سوق فعال.
تفشل الإصلاحات التكنوقراطية المحدودة في معالجة هذا الخلل الهيكلي الواسع، وتستمر الممارسات الريعية والاستخراجية في عرقلة أي مساعٍ جادة لتحقيق نمو حقيقي ومستدام للقطاعات الإنتاجية المدنية والتجارية والصناعية.
https://carnegieendowment.org/middle-east/research/2026/07/egypts-military-landlord-economy-and-its-limitations

